الرئيسيةالجمعيةبيانات الجمعيةنشاطاتنامواقع صديقةمتفرقاتإتصل بنا

 

الأجهزة الأمنية لم تطلب أذونات تنصت بل لوائح رقمية بحركة متورطين والخشية من التنصت مرتبطة بـ"تعويم"جميل السيد

 

القصة الكاملة لفضيحة جبران باسيل

المستقبل - الاربعاء 4 شباط 2009 - العدد 3210 - شؤون لبنانية - صفحة 2

 

فارس خشّان

ما أكثر الفضائح في بلادنا، وما أندر المساءلات!
فضيحة وزير الاتصالات جبران باسيل في تجفيف مصادر الأجهزة الأمنية، طغى عليها الصخب الإعلامي والسياسي، فأخرجت من سياقها، ليصبح الحديث عن المعجزة التي قام بها هذا الوزير في قطع دابر التنصت في لبنان!
فضيحة دخول ماجد حمدان، المقطوعة مذكرة توقيف بحقه، إلى البلاد، عبر المصنع، ليمضي ساعات عدة في المحكمة العسكرية قبل أن يخرج منها، دافعاً أقل من ألف وخمسمائة دولار غرامة على ترسانة السلاح التي كان يجمعها في بيروت وعرمون.
فضيحة خطف المواطن السوري نزار عبود في لبنان وتسليمه بهدوء إلى المخابرات السورية، من دون أن يتكبد جهاز المخابرات في الجيش اللبناني عناء الجواب عن الأسئلة الكثيرة التي تمّ توجيهها إليه من المقربين من عبود أو من عدد من النواب اللبنانيين.
فضيحة إقدام مسؤول محلي في حزب الطاشناق على محاولة قتل أحد كوادر "الأرمن الأحرار"، مما تسبب بشلله، وبقاء المشتبه بإقدامه على ارتكاب هذه الجريمة متوارياًً عن الأنظار تحت أنظار مجموعته الحزبية المسلحة، وجرأة أحد الأطباء الشرعيين على تزوير سبب الشلل في تقرير رفعه إلى القضاء اللبناني المختص.
هذه عيّنة حديثة من فضائح لبنان التي ما كانت ممكنة لولا "تورط" أجهزة رسمية فيها، وهي أجهزة يفترض بها أن تكون في موقع من يلاحق مرتكبي هكذا آفات لا في موقع من يرتكبها، وفي أضعف الإيمان من يحميها.
ولأن مناقشة كل هذه الفضائح، يحتاج إلى مساحات لا تتسع لها طبيعة هذا المقال، فسيتم الاكتفاء بواحدة فقط منها، وهي فضيحة وزير الاتصالات، على اعتبار أنها تصلح لتكون النموذج الذي يلقي بظلاله على الفضائح الأخرى، ولأن الكلام عنها من شأنه أن يكشف الوسائل التي بها يهدد العماد ميشال عون بتقطيع الأيدي والألسن!.
وفي هذا السياق، ما هي قصة هذه الفضيحة بالتحديد؟
بدأت الفضيحة، يوم كرر الوزير باسيل ما كان قد بدأه، عند وصوله إلى وزارة الاتصالات، أي وقف التعاون المفروض عليه، بحكم القانون والمنطق، مع الأجهزة الأمنية اللبنانية المعنية، وبتكليف قضائي، بكشف المتورطين في الجرائم العادية والإرهابية.
لم يكن يومها، مطلوباً منه، كما يدعي زوراً، السماح بالتنصت على مجموعة من اللبنانيين وغير اللبنانيين، بل كان الأمر، يتصل بتقديم كشف بالاتصالات التي يجريها رقم تلفوني معيّن له علاقة بجريمة معيّنة، من أجل تحليل حركتها، لإماطة اللثام عن مرتكبها أو عن شاهد يستطيع أن يميط اللثام عن مرتكبها.
وهذه التقنية سبق لها وسمحت على سبيل المثال لا الحصر للنقيب الشهيد في قوى الأمن الداخلي وسام عيد، أن يمكّن لجنة التحقيق الدولية من وضع يدها على الشبكة التي راقبت الرئيس الشهيد رفيق الحريري واشتركت بتنفيذ جريمة اغتياله، كما سمحت للقضاء اللبناني، بكشف مرتكبي جريمة التفجيرات في عين علق.
ومن يعرف التقنية التي يعمل عليها النائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا، يضع يده على جوهر القضية، إذ أنّ ميرزا، ومنذ كان قاضي التحقيق الأول في بيروت، كان مقتنعاً بهذه التقنية ويفضّل أن يبدأ بها كل عمل استقصائي، وبالتالي هو الموجه الأساسي للأجهزة الأمنية للاستحصال على كشف بحركة الأرقام الهاتفية المشتبه بها.
إلا أن الوزير باسيل الذي وصل إلى هذه الحقيبة بمعركة خاضها العماد ميشال عون بالتكافل والتضامن مع "حزب الله"، لم يستطع أن يواصل قرار امتناعه عن التعاون التقني مع الأجهزة الأمنية، لأن وقوفه دون تزويدها بالمعلومات المطلوبة في جريمة استهداف الباص الأول في طرابلس، حيث وقع للجيش اللبناني عدد من الشهداء سمح بنجاح عملية التفجير الثاني في طرابلس أيضاً التي استهدفت باصاً خاصاً بالجيش اللبناني.
وأقلع باسيل عن "اللا تعاون"، درءاً للفضيحة الظاهرة آنذاك، إذ تبيّن أن منعه المعلومات الخاصة بأحد الأرقام الهاتفية هو الذي حال دون إلقاء القبض على المجموعة الإرهابية التي سرعان ما تمّ الكشف عنها بمجرد سمح باسيل بإعطاء المعلومات الخاصة بهذا الرقم بعد الانفجار الثاني.
وفي التحليل السياسي، الذي يستند هنا على الواقعة التقنية المرفقة بواقعة سياسية وبموقع سياسي، يمكن الاعتقاد بأن باسيل كان ينفذ خطة متفق عليها مع المخابرات السورية، ذلك أن حجب المعلومات عن الأجهزة الأمنية المتعلقة بشبكة عبد الغني جوهر (يقال إنه فرّ إلى دمشق، وهو على صلة بشيخ المطلوبين في مخيم عين الحلوة الذي يقال أيضاً إنه تمكن من الفرار من لبنان عبر سوريا حتى لا يقع في قبضة العدالة) هي التي سمحت بارتكاب الجريمة الثانية قبل ساعات قليلة من انتقال رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان إلى دمشق، ومعه لائحة مطالب يعرضها على الرئيس السوري بشار الأسد، الذي كان يعمل، منذ مدة على اتهام شمال لبنان بأنه مرتع للإرهاب والإرهابيين ويحاول إقناع المجتمع الدولي بتكليفه الدخول إلى هذه المنطقة من أجل "تنظيفها".
إذاً، خوفاً من فضيحة بأبعاد أمنية ثابتة وبأبعاد تآمرية منطقية، نام باسيل على قرار حجب المعلومات عن الأجهزة الأمنية، ليعود إلى ذلك لاحقاً، في مرحلة التحضير الميداني للانتخابات النيابية.
ففي بداية هذا العام، حصل تطوران متلازمان، تمثل الأول بتلبية قيادة الجيش طلب باسيل فصل ضابط كان مسؤولاً عن التنصت في الأمن العام على أيام "ولاية" اللواء جميل السيد إلى وزارة الاتصالات ليهتم بالتخابر الدولي، وتمثل الثاني بعودة باسيل إلى مسيرة رفض التعاون مع الأجهزة الأمنية تزويدها بلائحة عن حركة الاتصالات التي يجريها رقم مشتبه به بجريمة إرهابية أو عادية.
وقد أحدث هذان التطوران المتلازمان أستياء كبيراً على المستويين الأمني والسياسي في البلاد، ودفع بمجموعة من قوى الرابع عشر من آذار، إلى رفع الصوت عالياً، ضد هذه السلوكية التي تستعين بأدوات جميل السيد التنصتية من جهة وتشل فاعلية الأجهزة الأمنية الحالية، من جهة أخرى، وخصوصاً بعد فضيحة خطف نزار عبود وتسليمه بدم بارد إلى المخابرات السورية والانقضاض "المقونن"على شعبة الأمن والمعلومات في قوى الأمن الداخلي التي أثبتت فاعليتها في مكافحة كل أنواع الجريمة بما فيها الجريمة الإرهابية المنسوبة إلى المخابرات السورية وعملائها في لبنان.
ولأن المسألة، لها بعد تآمري هنا وانتقامي هناك (تكملة لمحاولة اغتيال المقدم سمير شحادة ولاحقاً اغتيال الرائد وسام عيد)، آزر "حزب الله" سياسياً ونيابياً ودعائياً وإعلامياً الحليف جبران باسيل، في محاولة، بدا أنها ناجحة، لتغطية فضيحة إصابة أدوات مكافحة الجريمة بالشلل بإثارة موضوع التنصت، بحيث جرى تصوير المسألة للمواطن العادي، على أنها مجرد محاولة خلوقة من وزير "غير شكل" لقطع دابر التنصت في لبنان!
البعد التآمري، له ما يبرره، ذلك أنه في الوقت الذي كانت البلاد معجوقة بأخبار روّجت لها شخصيات في قوى الثامن من آذار، ومن بينها العماد عون، "عم" باسيل وسليمان فرنجية "حليف" باسيل، عن إمكان اقتراف جرائم اغتيال، تحضيراً للانتخابات النيابية، وفيما كان حزب "الطاشناق" عبر أحد مسؤوليه المحليين يحاول اغتيال أحد كوادر "حركة الأرمن الأحرار" في سد البوشرية، وفيما كان البعض يحاول فكفكة "لغز" اختفاء عبود بطلب لائحة بحركة الاتصالات التي أجراها قبل الاختفاء المعلوم - المجهول، كان باسيل يستعين بواحد من مجموعة جميل السيد التنصتية ويعود إلى مسار حجب المعلومات عن الأجهزة الأمنية.
من هنا الى أين؟
صحيح أن الاجتماع الذي عُقد في السرايا الكبير كان قاسياً على باسيل بعكس ظاهر المؤتمر الصحافي الذي عقده وزير الدفاع الياس المر، وصحيح أنه تقرر إعادة التعاون مع الأجهزة الأمنية لجهة تزويدها بالمعلومات المطلوبة عن الأرقام المشتبه بها، إلا أن الصحيح أكثر أن فضيحة بحجم وطن، بدل أن تطيح أبطالها تكللت بتسوية جعلت من "متآمر"... بطل حريات!

 
 

 
 

جميع الحقوق محفوظة لـ "المنتدى" 2008